الصالحي الشامي
63
سبل الهدى والرشاد
مشرفا عليها ، وجملة حاله يشرف على نهايتها أحد من الخلق ، ونقل الإمام الرافعي رحمه الله تعالى في أماليه عن سيدنا الصديق رضي الله تعالى عنه ، أنه مع علو مرتبته تمنى أن يشرف عليها ، فقال : ليتني شهدت ما استغفر منه صلى الله عليه وسلم انتهى ، وتكلم في معناه آخرون بحسب ما انتهى إليه فهمهم ، ولهم منهجان : أحدهما حمل الغين على حالة جميلة ، ومرتبة عالية اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد من استغفاره : خضوعه ، وإظهار حاجته إلى ربه ، وملازمته للعبودية ، قال أبو سعيد الخراز ( 1 ) فيما نقله عنه الإمام الرافعي : الغين شئ لا يجده إلا الأنبياء وأكابر الأبرار والأولياء ، لصفاء أسرارهم ، وهو كالغيم الرقيق الذي لا يدوم . قال الرافعي ( 2 ) : وحمله على عارض غيره أكمل منه ، فيبادر إلى الاستغفار ، وعلى هذا كثرت التنزيلات والتأويلات ، فقيل كان سبب الغين النظر في حال الأمة ، واطلاعه على ما يكون منهم ، فكان يستغفر لهم . وقيل : سببه ما يحتاج إليه من التبليغ ، ومشاهدة الخلق ، فيستغفر منه ليصل إلى صفاء وقته مع الله تعالى . وقيل : ما كان يشغله من تمادي قريش وطغيانهم . وقيل : ما كان يجده من محبة إسلام أبي طالب . وقيل : لم يزل صلى الله عليه وسلم مترقيا من رتبة إلى رتبة ، فكلما رقي درجة التفت إلى ما خلفها ، وجد منها وحشة لقصورها بالإضافة إلى التي انتهى إليها ، وذلك هو الغين ، فيستغفر منه ، قال : وهذا ما كان يستحسنه والدي رحمه الله تعالى ويقرره . ومن هؤلاء من نزل الغين على السكينة والاطمئنان ، قال البيهقي في الشعب : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال : سمعت الأستاذ أبا سهل محمد بن سهل : يعني الصعلوكي ( 3 ) أحد أئمة الشافعية يقول : في قوله : ليغان على قلبي وأيد أن أحدهما يختص به أهل الإشارة ، وهو حملهم إياه على غشية السكرة التي هي الصحو في الحقيقة ، ومعنى الاستغفار على التجسر للكشف
--> ( 1 ) أحمد بن عيسى الخراز ، أبو سعيد : من مشايخ الصوفية بغدادي . نسبة إلى خيزر الجلود . قيل إنه أول من تكلم في علم الفناء والبقاء . له تصانيف في علوم القوم منها كتاب الصدق ، أول الطريق إلى الله . ومن كلامه : إذا بكت أعين الخائفين ، فقد كاتبوا الله بدموعهم . توفي 286 ه . الأعلام 1 / 191 . ( 2 ) عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين بن الحسن ، الإمام العلامة إمام الدين ، أبو القاسم القزويني الرافعي ، صاحب الشرح المشهور كالعلم المنشور والذي نقوم بتحقيقه ، وإليه يرجع عامة الفقهاء من أصحابنا في هذه الأعصار ، في غالب الأقاليم والأمصار ، ولقد برز فيه على كثير ممن تقدمه ، وحاز قصب السبق ، فلا يدرك شأوه إلا من وضع يديه حيث وضع قدمه . وتوفي في ذي القعدة سنة ثلاث ، وعمره نحو ست وستين . الطبقات لابن قاضي شهبة 2 / 75 ، 76 . ( 3 ) محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون الإمام ، أبو سهل الصعلوكي الحتمي نسبا ، ثم العجلي ، النيسابوري . الفقيه ، المفسر ، الأديب ، اللغوي ، النحوي ، الشاعر ، المفتي ، الصوفي ، حبر زمانه ، وبقية أقرانه - هذا قول الحاكم فيه . ولد سنة ست وتسعين ومائتين . وأخذ عن ابن خزيمة ثم عن أبي علي الثقفي وأفتى ودرس بنيسابور نيفا وثلاثين سنة . انظر الطبقات لابن قاضي شهبة 1 / 150 .